آلية عمل دماغنا في حالة الحُب

ماهو الحُب؟هذا السؤال البسيط الذي طرحهُ أسلافنا متأملين السماء من قبل ملايين السنيين ولكن هذه الكيمياءالغريبة كانت معقدة لهم  فالحب الرومانسي بإختصار هو تجذر عميق في كيمياء المخ البشري.أما المعنى الخاصكما أوضحته العالمة الانثروبولوجية هيلين فيشر"واحد من أول الأشياء التي تحدث حينما نقع في الحب هو أنتجرب تبادلاً عاطفياً دراماتيكياً للوعي،عّبرَ شكسبير عن هذا الأحساس او هذا الجزء قائلاً"جولييت هي الشمس".


كيف يعمل دماغنا في حالة الحب

ولكن ماذا يحدث لك أنت كإنسان في حالة الحب؟

مُخنا الإنساني يبدأ يدخل في حالة سعادة مطلقة لدرجة لا تُصدق ويحتاج المخ أن يفرز هرمونات أكثر ليستوعبها فترتفع عندك هرمونات الحُب أو هرمونات السعادة و أشهرها

 dopamine,oxytocin,endorphin,serotonin , 

تسمى الفترة الاولى في بداية العلاقة بال

honey moon  phase 

حيث يكون الطرفان في سعادة مطلقة من إرتفاعات الدوبامين بدون مشاكل او نزاعات،و كل ما طالت فترة الحُب كل م زاد إدمان الإنسان لهرمونات السعادة التي يجلبها هذا الحُب ويصبح هذا الشخص هو بمثابة مصدر الدوبامين لهُ، فبالنسبة لمخك كَمُحِب كُل ما يخص الإنسان الذي تحبه (صوتهُ،صورته،وجوده ،أسلوبه) كُله مرتبط برفع المستويات العالية لتلك الهرمونات.

إن إرتفاع مُستويات الدوبامين بالمخ ينتج عنها زيادة هائلة في تركيز الإنسان على شئ محدد بالاضافة لي زيادة الإبتهاج و زيادة للمشاعر التي يقرها المحبون مثل زيادة الطاقة لديهم،زيادة النشاط الحركي،تسارع في دقات القلب،القلق،الخوف وفي بعض الأحيان الهوس،كما يوضح إرتفاع الدوبامين لماذا كلٌ من الرجال والنساء في حالة أعتمادية على علاقتهم العاطفية و يجب أن لا نغفل بأن الإعتمادية و الإشتياق من أعراض الإدمان وكل "أمراض الإدمان"تكون مصاحبة لي إرتفاع الدوبامين بالمخ،إن الدوبامين يزود المحب بالطاقة اللازمة حين يستشعر الخطر في العلاقة(فحين تتأخر المكافأة تعمل الخلايا المنتجة للدوبامين بشكل أكبر لحشد طاقة المخ،والإنتباه المركز،و المطاردة،و الكفاح من أجل الحصول على المكافأة و المقصود بها الفوز بالمحب).

هنالك هرمون المشتق من الدوبامين "النوريبنفراين" و هو هرمون يتعدد تأثيرهُ على حسب المنطقة التي ينشأ بها في المخ فهو يساعد في فهم لماذا يتذكر المحبون التفاصيل الدقيقة لما فعله المحبوب،ولماذا بقي ما فعله المحبوب في هذه الذاكرة طويلاً،فهذه المادة تترافق مع قوة الذاكرة للمؤثرات الجديدة كما توجد مادة ثالثة تتداخل مع مشاعر الحب التي لا تقاوم ألا وهي مادة السيروتونين وهو الهرمون الذي يؤجج النشوة والتفكير المستمر في من نحب فالمحبون لا يستطيعون إيقاف أفكارهم عمن يحبو إذن المحبون موسوسون (obsessed).إن علاقة السيروتونين من ناحية ومادتي الدوبامين و النوريبنفراين من ناحية أخرى علاقة عكسية فإن تصاعد مستويات الدوبامين و النوريبنفراين يعمل على هبوط مستوى السيروتونين وهذا ما يفسر لماذا تزيد عند المحبين نشوة الحب وتأجج لديهم أحلام اليقظة والخيال، والإستغراق بالتفكير وإمعان النظر وكذلك يستحوذ من يحبه على تفكيره تماماً.

تستمر هذه الدوائر الدماغية للحب بالعمل وبعدها تظهر الأعراض الكلاسيكية الثلاثة للإدمان :التحمل،الانسحاب،الانتكاس في البداية يحاول ان يرى الشخص محبوبه قدر ما أمكن ولكن مع الإدمان يصبح يريد أكثر و أكثر من هذا "الدواء" ومع الوقت يهمسون "أنا أشتاق لك" و "أنا لا أريد غيرك" ختاماً ب"لا أستطيع الحياة بدونك".و حين يكون المحب بعيداً عن محبوبه حتى ولو لساعات قليلة يكون متلهفاً للقاء به وكل مكالمة هاتفية ليست من المحبوب تصيبه بالإحباط، وإذا قطع المحبوب هذه العلاقة نجد أن المحب يظهر الأعراض الشائعة(نوبات البكاء،القلق،الأرق،فقدان الشهية،التبرم والضيق،الوحدة المزمنة)أعراض مثل كل المدمنين يصبح في حالة يرثى لها و يسعى بشكل خطر على حياته للحصول على نوع مخدره المحبب (إسترجاع العلاقة)،أما أيضاً المحب ينتكس إنتكاسة المدمنين فحتى بعد مدة طويلة من قطع علاقته مع محبوبه فإن أحداثاً بسيطة كرؤية صورة او إستماع الى أغنية معينة تؤجج اشتياقه وتدفعه للإتصال أو الكتابة للحصول على مبتغاه بشكل قهري ألا وهو إدمان الدوبامين الذي جلبته هذه العلاقة.

كيف يعمل دماغنا في حالة الإنفصال


ماذا يحدث للمخ حينما يكون الشخص للتو قد أخفق في الحب على نحوٍ عميق،عندما يكون الشخص الذي تحبه هو مصدر الدوبامين لك بالمطلق،وبعد ان يحدُث تّعَودْ و برود وعلاقة روتينيه مع مرور الزمن ينتج الجسم هرمونات مضادة للدوبامين لان الشخص الذي تحبه لم تعد مصدر الدوبامين  بالنسبة له فيبحث عن مصادر أخرى جديدة للبهجة.ولأن الحب مثل النشوة و العاطفة يصعب التحكم فيه لأنه يبث (الإشتياق،الإستحواذ،الإعتماد العاطفي و فقدان القدرة على التحكم بالذات) لذلك يعتبر العديد من الاخصائيين الإجتماعيين أن الحُب مثل الإدمان. و نقصد بمعنى أوضح للإدمان؛ أنهُ يُنتج الدوبامين في مصانع موجودة في "قاع المخ" ثم يُضخ لأعلى حيث النواة المذنبة(شبكة الدماغ للإيقاظ العام والحصول على الإثابة) وبقية مناطق المخ حيث تنتج الدوافع للفوز بالرغبات المطلوبة باعتبارها جوائز إن تأخرت المكافاة بالمجئ تُطيل هذه النواة المذنبة المنتجة للدوبامين من نشاطاتها لتزيد معدلات المخ في المحاثات الطبيعية للمحاولة لاستعادة الحب و العلاقة،كما قال الكاتب المسرحي تيرينس "كلما قلّ رجائي،إشتعل حبي".

لذلك بعد الإنفصال يدخل جسدنا في حالة طوارئ حالة مدمن مخدرات وسُحبت منه يستجيب العقل لهذا الخطر ويبدأ المخ برفع معدل هرمونات الضغط و يبدأ بإنتاج هرمون الكورتيزول (عندما يكون الهرمون بكمية معتدلة لا بأس ولكن عندما ينتج بكميات مبالغ فيه ضار لأن مخنا لا يُفرق بين الألم الجسدي والألم العاطفي)يغرق الشخص في أعقد و أعمق أوجاع الاضطراب العاطفي.أطباء الأمراض العصبية يقسمون مراحل ما بعد الانفصال إلى قسمين:

 ١/رفض التصديق: وفي هذه المرحلة يحاول الشخص بجنون استعادة من يحبه وما أن يدرك أن رفيقه يحاول إنهاء العلاقة يعتريه القلق،يغرق في الحنين، يُسخر كل طاقته و وقته و جهده للحبيب الذي تركه،يخطو خطوات استثنائيه لإعادة التواصل يتوق للتوحد من جديد يحاول بأشد الطرق تذكير من يحب بالعلاقة و عن مشاعره التي كسرت لإثارة العواطف ،يتضرع  بشدة لتصليح مصدره الوحيد لي هذا الدوبامين و الكيمياء الدماغية الممتعة ولذلك الأغلبية يرفضون التصديق يظلون اسرى اشارة واحدة من الرجاء.

٢/ترويض النفس:وفي هذه المرحلة يسقطون عن المحاولة ويكفون بالقنوط.


مشاعر الحب بعد الإستقرار و الترابط


"فريق من علماء الطب العصبي إستنتجوا مؤخراً أن الحب يدوم بين اثني عشر إلى ثمانية عشر شهراً "على أنني أراهن على نحو لافت في طبيعة الشخوص الواقعة في الحُب البعض يشعر بالإفتتان لأسابيع والبعض أيام و البعض لسنوات،ولكن للزواج و الإرتباط الوثيق له كيمياء دماغية مختلفة كلياً عن الحُب الرومانسي،فالمحبين ما إن يستقرو لا يغرقون في كيمياء الدماغ هذه بل الحب يتغير مع مرور الوقت يصبح أعمق و أهدأ.لم يعد الأزواج يتحدثون طيلة النهار او يرقصون للنهاية هذه العاطفة المجنونة،النشوة،الإشتياق اللهفة،والتفكير الوسواسي كلها تذوب ولكنها تتحول إلى مشاعر جديدة من الأمان، الراحة ، الهدوء والاتحاد مع الشريك أطلقت الاخصائية النفسية إلين هاتفيلد على هذه المشاعر إسم "الحُب الرفاقي" وهنالك أبحاث بدأت في محاولة فهم أي من كيميائيات الدماغ تنتج مشاعر الإندماج مع الزوج في علاقة طويلة الأمد و يؤمن غالبية العلماء أنه بسبب إفراز هرمون الڤازوبرسين و الاوكسيتوسين (هرمون يفرزه الدماغ عند الإستقرار في علاقة) وهما ما يعززان علاقة الزواج و السلوكيات المصاحبة للإرتباط.

و قالت إبيجيل آدمز زوجة ثاني رئيس للولايات المتحدة الأمريكية وهي تكتب لزوجها جون آدمز"تتغلب السنوات على حماسة العاطفة،ولكن بدلاً منها تُعطي علاقة صداقة و عاطفة عميقة الجذور تستمر و تتحدى الزمن وحينها تبقى الشُعلة مفعمة بالحيوية".

العلاقة الكيميائية السلبية بين الحب الرومانسي من ناحية و الإرتباط من ناحية أخرى هو أن الحب يخمد بمجرد الزواج أو عندما تصبح العلاقة بين الطرفين ثابتة الخُطى مريحة و أمنة،قد يذهب البعد الى مرشد نفسي أو إحدى مرشدي الوعي الزوجي لبث المشاعر الرومانسية وقد يلجأ البعض للبحث عن هذه العواطف خارج الزواج و البعض إلى الطلاق،ولكن لماذا يقمع المخ مشاعر الحب بعد الزواج؟ إن مناطق المخ التي تنتج الدوبامين و النوربينيفراين تبدأ في توزيع أقل لهذه المنشطات لهذه المواد الكيميائية تصبح أقل حساسية بشكل تتدريجي،هذا الفعل بلا جدال هو فعل تطوري فالغرام الشديد يستهلك وقتاً وطاقة هائلة،و سوف يكون قراراً محطماً لسلامة الدماغ و النشاطات اليومية بما فيها (تربية الأطفال) كي تقضي سنوات مبعثرة في وسوسة المحبوب.فإن هذه الدوائر المخية تطورت مبدئياً أن تقودنا للبحث والعثور على شريك مميز حتى يتم التزاوج عند هذه النقطة فإن الأسلاف من الأزواج إحتاجوا للتوقف عن التركيز على بعضهم البعض والبدء ببناء عالم إجتماعي آمن حيث يستطيعون تربية طفلهم.


لقد حبتنا الطبيعة بالعاطفة،ثم تعطينا السلام،حتى نقع في الحب من جديد.


المصادر


_ Psychoneuroendocrinology

Volume 93, July 2018, Pages 65-71

_why we love book by helen fisher

_ Reward, addiction, and emotion

regulation systems associated with

rejection in love

Helen E Fisher et al. J Neurophysiol. 2010

_cracking the code of the egyptian relationship book by IMZ KAHTAB


Comments

Popular posts from this blog

الإنسان وعصر المرئيات الجنسية

معايير الجمال كمادة سلعية: كيف شكلت الرأسمالية مفهوم الجمال؟