المغالطات المنطقية


أهمية دراسة المُغالطات المنطقية​

إن تفشي المغالطات المنطقية في واقعنا اليومي،وطغيانها على تفكيرنا كله،حقيق بأن يرد الى نظرية المغالطات المنطقية اهميتها الاولى،ويعيدها الى الصدارة من جديد يقول مالبرانش:"لايكفي ان يقال أن العقل قاصر،بل لابد من اشعاره بما هو عليه من قصور.و لا يكفي أن يقال أنه عرضة للخطأ،بل يجب أن نكشف عن حقيقة هذا الخطأ و هذا قول صادق،إذ لايكفي من اجل تمييز الحق أن نحدد شروطه و حسب.بل لابد لأن يكون التمييز واضحاً كل الوضوح أن نبين أين يكون الغلط حتى يظهر الحق أجلى و أوضح كالنور يكون أجلى بجوار الظلمة منه لو أخذ وسط فيض أخر من النور،صم إن الأضداد إن لم تكن واحدة كما يقول هيجل:فهي على الأقل مرتبطة تمام الإرتباط سواء من الناحية العقلية أو من الناحية الوجودية،ولهذا كان العلم بالأضداد-كما يقول أرسطو-علماً واحداً:فإذا كان تمييز اليقين في التفكير الإنساني موضوع المنطق،فكذلك تمييز الخطأ فيه يدخل في بابه. 

يقول أرثر شوبنهاور:"يتوجب على من يدخل في مناظرة أن يعرف ماهي حيل الخداع؛ذلك من المحتم عليه أن يصادفها ويتعامل معها". 

لذلك حتى تكون ملماً بالمغالطات المنطقية حتى يتسنى لك أن تتجنب الطرق المسدودة أثناء الحوار،وتتعرف على"النقلات الخاطئة"في الجدل،وأن تُظهر خصمك على الخطأ الإستدلالي الذي إرتكبه،بل أن نُقّيضْ لهذا الخطأ إسماً؛لكي يعلم الخصم أنك تجيد التفكير،وربما تفهم حجته أكثر منه!كما أن كشف المغالطة وتسميتها و تحليلها من شأنه أن يقضي حجتهُ الباطلة من ساحة الجدل و إقصائه نهائياً و لايكتفي بإضعافها أو تحجيمها.


أنواع المغالطات المنطقية

مغالطة العربة الموسيقية


هي مغالطة منطقية تقوم على افتراض صحة ما يقبله أكثر الناس لمجرد أن الأكثرية تقبل به، وهي تسير على هذا نحو:

الفكرة (س) رائجة بين الناس.

إذن، (س) صحيحة.

الفكرة الأساسية هي أن الدعوى تكون مقبولة لأن غالبية الناس لديهم موقف إيجابي عن هذه الدعوى، وتكون مغالطة حينما يكون موقف الناس بديلا عن الدليل المنطقي الذي يدعم صحة الدعوى، فالعدد المؤيد مهما كان كبيراً لا يؤثر إطلاقاً في صحة أو خطأ القضايا.

وهذه المغالطة مؤثرة للغاية كأداة لإقناع الناس، وتستخدم بأشكال كثيرة. حيث أن معظم الناس يميلون إلى الأخذ بالسائد كونه الأسهل والأقل خطورة. فكثيرا ما يستخدمها السياسيون في بعض الدول حيث يلجؤون للتأكيد على فكرة أن كل الناس يدعمونه أو يدعمون توجهه، بما يعني أنه الأصلح. أو في الإعلانات حيث كثيرا ما يتم التأكيد على قبول الناس وارتياحهم لمنتج معين لدفع المستهلك لتبني نفس الرأي. وفي الغالب يتم الحديث باسم الناس بدون أي أدوات إحصائية دقيقة تقيس مايعتقده الناس فعلا، بما يجعل المعارضة والتشكيك في أن هذا رأي الناس أصعب.



مغالطة الرنجة الحمراء red herring 

هي حيلة كان يستخدموها المجرمون الفارون لتضليل كلاب الحراسة التي تتعقبهم،وذلك بسحب سمكة رنجة حمراء عبر مسار المطاردة،فتجتذب الكلاب رائحتها الشديدة عن رائحة الطريدة الأصلية،وقد إستعيرت للتعبير عن كل محاولة لتحويل الإنتباه عن الجدل،وذلك بإدخال تفصيلات غير هامة،أو إلقاء موضوع لافت أو مثير للإنفعالات وإن يكن غير ذي صلة بالموضوع المعنى و لا يشبهه إلا شبهاً سطحياً فيقذف بالخصم خارج مضمار الحديث. 

من دأبْ مُحترفي هذه المغالطة ان يستهلكوا الخصم في تراهات خارجة عن الجدل،و أن يثيروا مشاعر المستمعين و إنتباههم بطرح مسألة براقة أخاذة و إن تكن بعيدة عن موضوع الحديث ؛فتهوى إلى أفئدة الحضور و لايعود أحد يذكر الموضوع الأصلي،إنهم بذلك لا يُحاجون بل يصخبون و يتلاعبون ويمارسون التمويه و التضليل،ويتحدثون في أي شيء إلا الشيء المعني،وكثيراً ما ينجحون في صرف الإنتباه وتحويل مسار الحديث و تبديد النقاش،فينفردون بالساحة حقاً و يبدون منتصرين في الجدل،و كأنهم يفوزون لتغيُّب الخصم!

-أمثلة:تقول صحيفة كولنسيوم أن لمبات جي إي افضل من لمبات سيلفانيا،ولكن هل تعلم أن جي أي اكبر منتج للأسلحة النووية؟إن الأضرار الناجمة عن سلوكها غير المسؤول تفوق التصور،وليس أقلها أنها تخلف الأطنان من النفايات النووية التي لا تعرف أين تواريها(لاحظ ان الموضوع الأصلي أن اللمبات الأكثر عمراً إختفي تماماً تحت سحابة الاسلحة الفتاكة و النووية)

-يقول صديقك أن قهوة تسترتشويس أفضل من مذاقاً من قهوة فولجرز؟ يبدو أنه يتجاهل حقيقة أن تسترتشويس تنتجها شركة "نسلة" التي أنتجت ذلك الحليب الذي أحدث ضجة كبيرة،لقد صدرته لدول العالم الثالث،وراح ضحيته آلاف الأطفال عندما كان الحليب الجاف يمزج بماء ملوث(إن مسألة الوفيات مثيرة حقاً،ومن ثم كانت جدير بصرف الإنتباه عن السؤال الحقيقي أي المذاقين أفضل؟)


مغالطة رجل القش straw man

هي المغالطة التي يعمد فيها المرء على مهاجمة نظرية أخرى غير حصينة بدلاً من نظرية الخصم الحقيقية.وذلك تحت تعمية من تشابه الأسماء أو عن طريق إفقار دم النظرية الأصلية و تغيير خصائصها وبترها عن سياقها الحقيقي أو بإزاحتها إلى ركن مُتطرف ،ويقال أن مستخدم المغالطة «يهاجم رجل القش» و تعود التسمية هذه للمارسة التي كانت شائعة في العصور الوسطى والتي تستخدم فيها دُمية على هيئة رجل محشو بالقش لكي تمثل الخصم في ممارسة المُقارعة بالسيف. 

قد استخدم هذا الأسلوب عبر التاريخ في النقاشات الجدلية، ولا سيما في النقاشات حول القضايا المشحونة عاطفيًا بشكل كبير حيث يكون النقاش عبارة عن معركة والهدف منه هزيمة الشخص المقابل أكثر مما يهدف إلى التفكير العقلاني أو فهم كلا من الطرفين للقضية.

-مثال:إن التصويت لجولد ووتر إنما هو تصوييت للحوب النووية.(ليندون جونسون في حملته الإنتخابية١٩٦٣)

-كيف تحظى نظرية أينشتاين بكل هذا القبول وهي تذهب إلى أن كُل شئ مباح و أن الأخلاق إنما شئ نسبي يختلف من بيئة ثقافية إلى أخرى(لاحظ للخلط بين نسبية أينشتاين الفيزيائية الخالصة وبين النسبية الأخلاقية التي تتحدث عن المجال الأخلاقي و لاعلاقة لها بالفيزياء)



مغالطة المُقامر Gambler's Fallacy

تعرف أيضًا باسم مغالطة مونت كارلو،تنطوي هذه المغالطة على الفهم الخاطئ للإحتمالات و فكرة الأرجحية ونحن نرتكب هذه المغالطة عندما نظن أنا ما وقع في الماضي له تأثير على الأرجحية أو الأحتمالات الحالية. عندما يثبت بطريقة أخرى أن احتمال وقوع مثل هذه الأحداث لا يعتمد على ما حدث في الماضي. مثلاً أن لفة النرد التالية من المرجح أن تكون ستة لأن عدد النردات كان أقل مؤخرًا من العدد المعتاد وهو ستة. 

و صفوة القول في المقامرة أن ما تم حدوثه حتى اللحظة الآنية هو شئ لايقدم و لايؤخر في إحتمالات السحبة القادمة و لا يؤثر على أرجحيتها بحد ذاتها مثقال ذرة من التأثير.


مغالطة التقسيم division

مغالطة التقسيم هي، ببساطة، مقلوبُ مغالطة التركيب أو ظلُّها؛ أي إضفاء خصائص الكل على المكونات، أو الانتقال غير المشروع من خصائص الكل إلى أجزائه المكونة، يقع المرء في هذه المغالطة حين ينسب إلى أفراد جماعة شيئًا لا يَصدُق إلا على الجماعة كوحدة، أو حين يظن أن ما يصدق على الكل لا بُدَّ له من أن يصدق أيضًا على أجزائه.

مثلاً:

-العدد ٤ عدد زوجي ،١ و ٣ هما أجزاء ٤،إذاً ١و ٣ عدد زوجي.  

-المخ قادر على التفكير الواعي،إذاً كل خلية مخية قادرة على التفكير و الوعي

-الخلية الحية هي مادة عضوية إذاً المواد الكيميائية المكونة للخلية يجب أن تكون أيضاً عضوية


تجاهل المطلوب missing the point

في هذه المغالطة يتجاهل المرء الشئ الذي يتوجب أن يبرهن عليه و يبرهن على شئ أخر،وقد يبدو إستدلاله معقولاً بحد ذاته،ولكن المغالطة هنا في أنه يبرهن على نتيجة أخرى غير النتيجة المطلوبة التي يتعين أن ينصرف إليها دون غيرها،بذلك تتسم الحجة بسمتين؛أنها قد خرجت عن الهدف المحدد لها،وأنها قد إتجهت مباشرةً إلى نتيجة أخرى.

يقف المحامي الإدعاء في جريمة قتل وبدلاً من أن يبرهن بالحجة على أن المتهم هو مرتكبها يشرع في إثبات بشاعة القتل و بشاعة الجريمة؛قد ينجح الادعاء في تقديم مرافعة عصماء و يثبط هول الجريمة بألف حجة،غير أنه إذا جعل من ذلك دليلاً على أن المتهم مذنب بها يكون قد إرتكب مغالطة"تجاهل المطلوب".

تتمتع هذه الحجة المغالطة بجاذبية خفية،وتكمن قوتها في أن هُناك نتيجة تم إثباتها على نحوٍ صائب،وهذا الصواب هو الذي يصرف إنتباه المستمعين بعيداً عن المغالطة.

-مثال:لدي دراسة تثبت أن رياضة العْدو في الطريق العام قد تضر الصحة أكثر مما تفيدها،ولذلك أنادي بأن تحظر رياضة الجرى  في الشوارع،(حتى لو كان ذلك صحيحاً فهل هو حجة تؤيد حظر جري الطريق؟)


التعميم المتسرع hasty generalization

عملية التعميم الإستقرائي هي التي من خلالها نستمد خصائص فئة كلية من خصائص فئة عينة من هذه الفئة أو نستخلص نتيجة حول جميع الأعضاء في مجموعة ما من خلال ملاحظات عن "بعض"أعضاء هذه المجموعة،يميل الناس كثيراً إلى التحيز في أخذ العينة،إما بسبب ميلهم (عمداً أو غير عمد)إلى إلتماس العينات التي توافق نظريتهم،إما بسبب الرعونة أو الكسل أو الاستسهال الذي يدفعهم إلى إنتقاء ما هو مواتٍ قريب المأخذ ويصرفهم عن بذل جهد و الوقت من اجل إستخلاص عينة صحيحة. 

-مثال(كلما شاهدت أخباراً في القنوات الفضائية وجدت زنوجاً يجري القبض عليهم لجرائم السرقة،إذن جميع الزنوج أو معظمهم سارقون).

-تزوجت مرتين وفي كل مرة كان زوجي يطمع لثروتي و لايخلص لشخصي،ولذا قررت أن لا أتزوج أبداً لأن كل الرجال يفتقرون إلى النزاهة و الإخلاص.


مغالطة المنشأ damming the origins

ثمة فرق بين السبب الذي يجعل الناس تعتقد شيئ ما وبين الذي يجعل هذا الشئ حقاً أو صواباً.

في أمثل الأحوال يكون الحق مبرراً للإعتقاد،غير أنه لايندُر أن تنعكس الأية ويستخدم المرء مصدر إعتقاده(مرده وأصله ومنشأه)كما لو كان دليلاً على صدق الإعتقاد،تعد مغالطة المنشأة ضرباً من البخل المعرفي أو الذهني،فالبحث والتقصي لمعرفة التبرير المنطقي للاعتقاد قد يكون مرهقاً و يتطلب وقتاً وجهداً سخياً،وكلما قلت الطاقة الذهنية في التفكير المنطقي ،كلما نظرنا أصل الإعتقاد و أتخذناه معياراً نصيباً للصدق،لعلنا قد تبنينا هذا اللون من الإقتصاد الذهني عبر تطورنا النوعي لانه يسعفنا في احيانٍ كثيرة،خاصة عندما يكون الاستقصاء الدقيق بطيئاً بدرجة خطرة،غير أن علينا أن نتعرف على هذه الألية و إن تكن معينة على البقاء فهي ليست أوثق الطرق لإكتشاف الحقيقة.

للأنسان ولع متأصل بمعرفة الحجة وكلما يولي الناس ثقتهم بمصدر يمقتونه بغض النظر عن المزايا الفعلية لهذه الاراء نفسها و كأنهم يقولون فلتذهب الى الجحيم مع اصحابها واحياناً تسمى مغالطة (لعن المصدر) يتناسى هؤلاء أن الحجة إنما تنهض على أرجلها الخاصة وتستند إلى معايير صدقها وتقف بمعزل عن أصلها ولاتستقي منه قوة و لاضعفاً.



المصادر

-42 fallacies book by Dr.michael C.LaBossiere

-Gilbert, Michael, 1997. Coalescent Argumentation. Mahwah; Lawrence Erlbaum 

-Straw Men, Weak Men, and Hollow Men Scott F. Aikin • John Casey Published online: 7 October 2010  Springer Science+Business Media B.V.

-كتاب المُغالطات المنطقية تأليف عادل مُصطفى.

Comments

Popular posts from this blog

آلية عمل دماغنا في حالة الحُب

الإنسان وعصر المرئيات الجنسية

معايير الجمال كمادة سلعية: كيف شكلت الرأسمالية مفهوم الجمال؟