نظريات التأثير الإعلامي

موضوع نظريات الإعلام هو أحد المواضيع المهمة التي يجب دراستها أو إستحداث نظريات قائمة عليها، لكن البحث لا يزال يعاني من شُح في الدراسات العلمية الجادة.وعلى الرغم من أن الكثير من الدراسات العلمية و الأطروحات الأكاديمية تنطلق من أسس قامت عليها نظرية أو أكثر،إلا أن دراسة النظرية نفسها من حيث أسسها الفلسفية و فروضها العلمية و مفاهيمها الاساسية التي قامت عليها-يعاني أيضاً من ندرة في البحوث المتخصصة،إذ أن الأشكالية الرئيسية في موضوعه هي أن الكثير من ماهو موجود عن نظريات التأثير الأعلامية،إن أساسه كان قد وضع من غير المتخصصين في الإعلام،و أن كثير من التراكم العلمي حول النظرية بعينها يعود أساسه إلى نتائج دراسات أجراها المتخصصون في علم الأجتماع،السياسة أو علم النفس أو غيرها من العلوم الأجتماعية ذات الصلة الوثيقة بعلم الإعلام ولذلك يعبر بعض المتخصصون في مجال نظريات التأثير الأعلامي بأنهُ (حقل قلق) و أنهُ يستورد النظريات من العلوم الأخرى

الإهتمام بالترفيه وسوء إستخدامه

النزعة المادية المتمثلة في السعي الى الربح دون الالتفات الى الممارسات الخاطئة التي تؤثر سلباً على سلوك الأفراد و الجماعات تؤكد العلاقة السببية بين هذه النزعة الإقتصادية البحتة وبين الأثر السلبي الذي تحدثه في المجتمع،وهي علاقة تبدو صحيحة الى حد كبير و تتأكد صحتها من وجهين:-
الأول:أن وسائل الإعلام الحديثة بتقنيتها العالية قد عززت مفهوم الفردية الذي كان يدعو إليه أصحاب الفكر المتحرر أمثال جون ميلتون و جون لوك،فالمواطن الغربي الان يعيش يعيش حياة فردية بكل ما يتضمنه هذا المصطلح من معانٍ إجتماعية.
الثاني:أن وسائل الإعلام الجماهرية أصبحت تمثل للمواطن الغربي بديلاً عن العلاقات الأسرية و الإجتماعية التي كانت سائدة في المجتمعات الغربية قبل عقود قليلة.وحتى تحقق وسائل الإعلام مقومات "البديل"فلقد لجأت إلى التركيز على الوظيفة الترفيهية وبدأت تنافس الوظيفة الإخبارية إن لم نقل إنها تفوقت عليها.وهذه المنافسة وهذا التفوق كان على حساب "أخلاقيات المهنة" ودافع ذلك كله هو الربح المادي الذي تسعى اليه هذه الوسائل وخاصة التلفزيون.
ومن ذلك فإن شبكة الأخبار CNN تحاول أن توسع نطاق مشاهديها من خلاا تغطية موضوعات لاتعد إخبارية بالمفهوم الإعلامي الصرف،على الرغم من أنها قد أخطت لنفسها منهجاً إعلامياً يعني بالوظيفة الإخبارية،بل إن الشبكة ما قامت وما تأسست إلا من أجل ذلك.وفي السنوات المتأخرة من عمر هذه المحطة التلفزيونية الناشئة بدأت تعرض يومياً برنامجا فنياً يغطي أخر أخبار هوليوود كما أنها تعرض برنامجاً يلخص الأحداث الرياضية،ولعل أسوء أخطأ الشبكة التي لا تغتفر هو محاولتها التنافس مع الشبكات و البرامج الترفيهية التي لا تخدم ذكاء المشاهدين،فالشبكة أفرطت في التغطية الشاملة للمحاكمة التمهيدية للرياضي السابق أوجي سيمبسون في موضوع مقتل زوجته السابقة وصديقها و لاتنفي الشركة رغبتها في جذب أنظار المشاهدين والمشاهدات ولو عبر إهمال بعض المواضيع السياسية الجادة لأن موضوع الجريمة مسلٍ للكثيرين. 
وإذا كان هذا الإهتمام بالوظيفة الترفيهية إنتقل إلى محطات التلفزيون و الصحف المرموقة،فما حال الصحف ومحطات التلفزيون التي تمثل المادة الترفيهية نسبة كبيرة من مضمون ما تقدمه إلى جماهيرها؟ومامدى إدراك القائمين على هذه الوسائل للمسؤولية الاجتماعية إذ كان الربح المادي هو الذي يسيرها ويضبط حركتها؟وما طبيعة المضمون الترفيهي الذي تقدمه وسائل الإعلام؟وبخاصة المرئية منها-إذ كان الهدف منها تسلية الجماهير وجذبها من جهة و دفع المعلنين للأقبال عليها من جهة أخرى؟إن المحاولة للبحث عن إجابة وافية لهذه التساؤلات لاتبدو سهلة ويسيرة لأول وهلة،لكن الإنطباع العام في أذهان الباحثين عن إجابة لتلك التساؤلات يشير إلى أن هنالك "أزمة في الأخلاق و القيم"كان لوسائل الإعلام النصيب الأكبر في إيجاد و ترسيخ جذورها في المجتمع.إن محطات التلفزيون الأمريكية تشجع الممثلين و كتاب النصوص الذين يثيرون غرائز الجماهير أو يزيدون من شعبية هذه المحطة أو تلك بغض النظر عن الطريقة التي يتم بها تحقيق ذلك،ولذلك فلا عجب أن تكون وسائل الاعلام الامريكية مليئة بالرسائل الجنسية-على سبيل المثال-التي تؤثر تأثيراً مباشراً على كل افراد المجتمع الأمريكي بشرائحه المختلفة.
تأثير الإعلام ومستوياته
الإعلام في أبسط مفاهيمة وتعريفه هو "محاولة إحداث أثر"في الجمهور المتلقي للرسالة الإعلامية.فالتأثير هو الهدف الأخير و الرئيس من العملية الإعلامية،لنتصور،مثلاً مادة إعلامية عبارة عن فيلم قصير،فالفكرة الرئيسية للفيلم و النص و التصوير و الصوت و الاضاءة و المونتاج و الإخراج وغير ذلك المقصود منها هو إحداث أثر في المشاهد للفيلم،وما يقال عن هذه المادة الاعلامية يقال عن غيرها من المواد التي تنتجها المؤسسات الإعلامية أو وسائل الإعلام الجديد. 
يقسم المتخصصون في بحوث التأثير الإعلامي أنواع الأثر الذي تحدثه وسائل الإعلام إلى نوعين:-
١-التأثير على المستوى الشخصي 
٢-التأثير على المستوى المجتمعي 
وتشير الدراسات العلمية إلى أن التأثير على المستوى الشخصي قد حظى بنسبة كبيرة من إهتمامات الباحثين الذين نشروا نتاجهم العلمي الدوريات المتخصصة الكبرى في مجال الاعلام و الاتصال الجماهيري،من الدراسات الرائدة في هذا المجال دراسة كوبر وزملائه التي قامت بتحليل مضمون ١٣٢٦ دراسة علمية نشرت في في ثمان دوريات علمية دولية متخصصة في المدة من ١٩٦٥ الى ١٩٨٩م وتوصلت إلى نتيجة مفاداها أن ٢٥٪؜ من هذه الدراسات تناولت موضوع التأثير،منها ٢٢٪؜تناولت تأثير وسائل الإعلام على المستوى الشخصي ٢،٥٪؜ فقط على المستوى المجتمعي.
و التأثيرات على المستوى الشخصي تنوعت موضوعاتها أيضاً فهناك تأثير على المستوى المعرفي للأشخاص،ونال نسبة ٢٧،٦٪؜من إهتمامات الدراسات العلمية و التأثير على المواقف و الاتجاهات ونال نسبة ٢١٪؜ من مجمل دراسة التأثير على السلوك و حظى بنسبة ٢٤،٣٪؜ من مجمل دراسة الأفراد.

التأثير المعرفي 

وهو أول مراحل تأثير وسائل الإعلام على الجمهور وفي هذا المستوى يتعلم الفرد الكثير من المعارف و المعلومات عن القضايا،الاحداث و الاشخاص في بيئته المحيطة به (الجانب المجتمعي)والعالم الخارجي(الجانب الدولي) مما يساعده على تكوين تصرف معرفي عن هذه البيئة بأحداثها و أشخاصها وقضاياها التي تمثل المشاهد الرئيسية فيها،إن إستخدام وسائل الإعلام يزيد من تعلم الفرد وكلما كان تعرضه لهذه الوسائل أكثر،كان تأثيره على وعيه المعرفي اكثر،فالأشخاص الذين لهم إهتمامات بالموضوعات السياسية على سبيل المثال-يجدون في وسائل الإعلام المعلومات و المعارف التي يبحثون عنها فقد أثبتت الدراسات العلمية أن التعرض المستمر لوسائل الاعلام له أثر مباشر في تنمية الوعي و المعرفة السياسية،وهكذا في مجالات الحياة الاخرى،فالإهتمام بمجال ممن يزيد من تعرص الفرد لوسائل الإعلام وهذا التعرض يزيد من ثقافته ومعرفته بالمجال الذي يحظى بإهتمامه. 
وفي سياق الحديث عن وسائل الاعلام وعلاقته بزيادة الوعي المعرفي حول موضوع معين تنبغي الاشارة الى نقطتين مهمتين:-
١-أن عناصر الرسالة الاعلامية(الصورة،الصوت،النص)تتكامل في بناء الوعي المعرفي لدى الجمهور بالاحداث من حوله على سبيل المثال-تحمل دلالات معرفية عن الحدث الذي تعبر عنه،ومن شأنها أن تقدم معلومات جديدة،أو تعزز من معرفة سابقة فالصورة هي اول ما تقع عليه عين القارئ للمطبوعة بعد العنوان الرئيسي للخبر أو القصة الإخبارية وفي أحيان كثيرة يتأمل القارئ الصورة ثم يربطها بالعنوان فهي مع النص تمثل عامل تأثير على الوعي المعرفي لدى الجمهور.
وأما في وسائل الاعلام الجديد تويتر مثلاً فإن الصورة الساكنة أو المتحركة أصبحت من أهم الوسائل للتأثير المعرفي،فالتغريدات المصحوبة بصورة أو برابط لصورة متحركة(على اليوتيوب مثلاً)باتت من عناصر الرسالة الاعلامية المهمة في جذب الجمهور وزيادة معرفته بالموضوع الذي تتحدث عنه وما يجري من تعليقات على الصور عن الأحداث السياسية أو الكوارث الطبيعية أو القضايا الوطنية أو الدولية هو تعبير صادق وواقعي عن تأثير عنصر الصورة على زيادة الوعي المعرفي لدى الجمهور.
٢-إن الرسالة الاعلامية بعناصرها ليست محايدة في مضمونها انما توضع في كثير من الاحيان في إيطار إعلامي يخدم الاهداف المرجو منها.حتى تحقق الأثر المطلوب من وجهة نظر القائم بالاتصال.ذلك أن المؤسسات الإعلامية (الصحيفة و القنوات التلفزيونية) تختلف في رؤيتها للأحداث،ومن ثم فإنها تضع رسائلها الاعلامية في إطار يخدم هذه الرؤية أو تلك.هذا الاختلاف الذي ينعكس على طبيعة الوعي المعرفي الذي يتعرض له الجمهور.وعليه أن يكون فطناً في عملية الاستخدام والتعرض للمضامين التي تقدمها المؤسسات الإعلامية،فالمواقف الخاطئة التي يتخذها الفرد من الاحداث و القضايا والأشخاص ناتجة عن وعي معرفي غير مكتمل،وهي نتيجة مبنية على استخدام غير رشيد لمضامين الرسالة الإعلامية و التأثير المعرفي يسبق بالضرورة اتخاذ موقف تجاه الأحداث،إذ لايتصور أن يُبنى الفرد موقفاً معيناً دون أن تكون لديه معرفة بتفاصيله،لكن ذلك لايعني أن الفرد سيتخذ حتماً موقفاً تجاه كل ما يشاهده أو يقرأه في وسائل الإعلام،فالأمر مرتبط هنا بمدى اهتمام الفرد للحدث نفسه،فهناك مضامين أعلامية يقف تأثيرها عند المستوى المعرفي فقط،ولا يتجاوزه إلى إتخاذ موقف تجاه موضوعات تلك المضامين،فالكوارث  الطبيعية التي تحدث في العالم مثلاً لا تستلزم اتخاذ موقف تجاهها ولكن يكتفي الفرد بالمعرفة عنها،ولكن هذه الكوراث لو كانت قريبة من بيئة الشخص،أو تؤثر بشكل أو بأخر على حياته أو مجتمعه،فإن ذلك يؤدي إلى إتخاذ موقف تجاهها وبهذا ينتقل إلى المستوى الثاني من مستويات التأثير الاعلامي،وهو التأثير في المواقف و الاتجاهات.

نظرية دوامة الصمت 

 

تعد هذه النظرية من أكثر نظريات الأعلام علاقة بتكوين الرأي العام في المجتمع،هذه النظرية طورتها الباحثة الالمانية اليزابيث نويل؛وتشير إلى أن عملية تكوين الرأي العام تتداخل فيها عوامل نفسية و إجتماعية و ثقافية وسياسية،بالإضافة إلى تأثير وسائل الاعلام في تكوين الاتجاه السائد حول القضايا المثارة في المجتمع.والافتراض الرئيسي الذي قامت عليه النظرية هو أن وسائل الاعلام حين تتبنى أراء أو اتجاهات معينة خلال حقبة من الزمن فإن معظم الافراد سيتحركون في الاتجاه الذي تدعمه وسائل الإعلام،فعندما تتخذ وسائل الاعلام موقفاً معيناً من قضية أو شخصية فإن ذلك يؤدي إلى تأييد معظم الأفراد للأتجاه الذي تتبناه وسائل الإعلام.بحثاً عن التوافق الاجتماعي ومن ثم فإنهم يلجأون للصمت ويحجبون اراءهم الشخصية ظناً منهم أن الإعلان عن رأيهم قد لايحظى بتأييد الأخرين.
هذا الموقف هو ما يعبر عنه الكثير من الباحثين بـ(الخوف من العزلة الإجتماعية)وهو إعتقاد فئة من الجمهور أن ما يتبنونه من رأي تجاه قضية معينة سيكون مخالفاً للاتجاه السائد الذي تؤيده وسائل الاعلام،ومن ثم يجعلهم يشعرون بعدم التوافق الاجتماعي ويضعهم في خانة الاقلية؛وبناء على هذا الاحساس من الجمهور فإن تعريف نيومان للرأي العام يأتي متناغماً مع القلق الذي يشعر به الفرد،يقول نيومان:إن الرأي العام هو تعبير الأشخاص عن رأيهم تجاه مواقف معينة بطريقة لا تعرضهم للعزلة الاجتماعية،كما أن تعريف نيومان ل(دوامة الصمت)يسير ايضاً في هذا الاتجاه إذ تعرف هذا المصطلح؛ بأنه تعبير عن التوتر الذي يشعر به الفرد عندنا يبوح برأيه أو وجهة نظره خوفاً من أن يكون من الأقلية المخالفة للاتجاه السائد الذي تتبناه وسائل الإعلام.نظرية دوامة الصمت ظهرت في العام ١٩٧٣ على إثر نتائج الدراسات التي اجريت اثناء الانتخابات السياسية في المانيا وهي الحقبة الزمنية التي كانت تهيمن فيها وسائل الإعلام التقليدية(الصحافة،الاذاعة،التلفزيون)على تكوين الرأي العام وتشكيله في المجتمع،ولكن في الوقت الراهن يشهد متغيرات كبيرة في البيئة الاتصالية التي أوجدت بدائل للتعبير عن الرأي العام وتشكيله في المجتمع غير تلك الوسائل التقليدية مثل شبكات التواصل الاجتماعي (الفيسبوك،تويتر،يوتيوب،مدونات وغيرها)،هذا المتغير الاتصالي المهم يفرض تساؤلات حول تطور البناء النظري الذي تأسست عليه نظرية دوامة الصمت،التواصل في العالم الافتراضي عبر الإعلام الجديد (ومنه شبكات التواصل الاجتماعي)يطرح مشروعية إعادة اختبار الفروض التي قامت عليها النظرية في البيئة الاعلام التقليدية.فإذا كان العاملان الرئيسان في النظرية وهما الخوف من العزلة الاجتماعية ومناخ الرأي الذي يطلق أو يقيد حرية التعبير فإن هذين العاملين لم يختبرا في النقاشات التي تدور بين الجمهور مباشرة عبر وسائل الإعلام الجديد،وعلى رغم من أن الانترنت يستخدم الان بوصفه منصة لمناقشة قضايا الراي العام ومناقشة القضايا السياسية،الا ان قلة من الدراسات العلمية حاولت التعرف على الكيفية التي يؤثر بها الإتصال الوسيط المباشر في النموذج الذي قامت عليه نظرية دوامة الصمت وبخاصة إذا علمنا أن الجمهور أصبح يعتمد كثيرًا على الإنترنت في البحث عن العلوم السياسية.
ومن هذه الدراسات التي اجريت من بينها دراسة الشعور المتدني بالعزلة الاجتماعية للجمهور عندنا يناقشون قضية اجتماعية معينة عبر التواصل المباشر من خلال الانترنت،ومعظم الدراسات اثبتت ان مواقع التواصل الاجتماعي و وسائل الاعلام هي اقوى مسببات تغير الرأي العام و اعادة تشكيله


Comments

Popular posts from this blog

آلية عمل دماغنا في حالة الحُب

الإنسان وعصر المرئيات الجنسية

معايير الجمال كمادة سلعية: كيف شكلت الرأسمالية مفهوم الجمال؟