الإمتنان وأُلفة النِعمة؛ هل نرى حقاً ما نمتلك؟
البارِحة كنتُ أجوبُ في فضاء الإنترنت، باحثةً في مواضيعٍ علمية، إستوقفني مّشهد لرحّالة في إحدى البلدان الإفريقية، قد نظّمتْ حفلةً بسيطة للأطفال، تتماشى مع بساطة واقعهم الإفريقي. رأيتُ في عيونهم بهجةً صافية لم تلوّثها زينة الحضارة ولا كثرةُ النعم. كان المشهد عذبًا، يفيض بفرحٍ بريء لا يُشترى.
أولئك الأطفال، براءتهم ذّاقت الدجاج المشوي لأول مرة، رقائق الشيبس تذوب في أفواههم كأنها سكر الحلم، والكعك المُحلّى يخطّ على وجوههم ابتسامات لا يضاهيها شيء. مشهدٌ جعلني أتأمل في العناية الإلهية التي تُحيط بنا من حيث لا نعلم.
تلك النعم التي تحيطني كل يوم، تلك التي أتناولها دون أن أحسّ بمذاق الامتنان بداخلها، هي بديهيات أمتلكها ولا أُبصر قيمتها. أما هؤلاء الأطفال، فقد منحهم الله لها في لحظة صغيرة، تُعادل في عيونهم السعادة نفسها التي أمتلكها يومياً. كيف يعتاد الإنسان على النعمة حتى تُصبح عاديةً، ويتحوّل الفرح إلى شيء مغمور في الزمان؟
لعلّ في هذا التذكير الإلهي دعوة لنا لأن نتوقف، لنتأمل ما بين أيدينا، ونحمد الله على عطاياه التي لا تُعد ولا تُحصى. لنلتقط من هؤلاء الأطفال درسًا في البساطة، ونستعيد في أعماقنا ذلك الفرح النقي، الذي لا يتلوث بالعادة ولا يتآكل بالزمن.
الإنسان أحياناً يتوهم بما يتخيله من كمال، يلهث خلف المِثالية السامة كمن يتعقب سرابًا يبشرهُ بنشوة لم يذق طعمها بعد. قد يخيِلُها بيتًا فخمًا، أو سيارة فارهة، أو مكانة اجتماعية مرموقة، لكنه لا يتوقف عن الركض خلف تلك الأحلام بمثابة قفص يأسر نّفسهُ عن تذوق الوجود وبركتهِ ، مشغولاً عن نعمه الحاضرة.
كم هو أليفُ النعمة حد العمى، لا يبصر الصحة التي تملأ جسده، ولا يرى دفء العائلة التي تحيط به، ولا يقدر دفء المأوى الذي يأويه كل ليلة. يتذمر من الواقع، وينسى فضل الله عليه، يلهث خلف ما يظنه براقًا، ويتجاهل البركات التي تحيط به من كل جانب.مُعتقداً أن السعادة تكمن فيما يّنقصه بينما السعادة كانت كظلهِ تقف معهُ في كل لحظة وخطوة يخطوها بصحة وعافية، في ضحكةٍ يتبادلها مع الإحبة ورعاية إلهية تكسوها البركة والخير في كُل غمضةِ جُفن، إن السعادة ليست في الركض خلف الوصول بل تكمن في الشُكر والرضا عن الطريق الذي نسيرُ فيه.
الأن وفي عالم يتهاوى فيه البشر تحت وطأة المرض والجوع والفقر المدقع، حيث تُقتلع أرواحهم من جذورها بفعل الحروب، نجد أنفسنا محاطين برعاية إلهية تسهر علينا، نستظلُ بظلها أمنين بسلام، ننعم بأمان لا يقدر بثمن.
كيف يمكن للمرء أن يغفل عن هذه النعم، وهو يخطو فوق أرضٍ ثابتة، يسكن تحت سقفٍ يحميه من العواصف، ويتنفس هواءً نقياً يملأ صدره؟ كم من الأرواح تتمنى لحظة من هذا الأمان، وكم من القلوب تذوب في غياب الطمأنينة! ومع ذلك، نحن هنا، في حضرة الله، محاطون بحبه وعنايته، لا نطلب سوى أن نصحو من غفلتنا، لندرك أن الامتنان هو أعظم ما يمكن أن نقدمه لهذا الوجود.

Comments
Post a Comment