وجودية الروتين؛ هَل نحنُ أحرار أم مُجرد ممثلين؟


 



إن فلسفة القفص الذّهبي هي أعظم فلسفة حاكهّا العقلْ البشري عن "رتابةْ الإنسان العادي"؛إنسان اللامعنى الذي لايعرف شيئاً عن هويته غير تقاليد الأولين فحياتهُ شُكلت سلفاً وسطرت لهُ من قبل مِيلاده! فلا ينضحّ ويثور عن إناءه بل يتشكل مُسلِماً عقلهُ مذعناً لتلك الأساطير، إنهُ هو الإنسان العادي الذي يعيش حياةً تُشبه رقصةً رتيبةً تحت إيقاعٍ واحدٍ، بلا نغماتٍ جديدة أو تغيراتٍ تُذكر. يُولد في عالمٍ قد سطره له الأسلاف، مُعلِّمين إياه منذ نعومة أظافره أن الطريق الصحيح هو ذاك الذي يختاره له المجتمع. يبدأ بالذهاب إلى المدرسة، ثم الجامعة، وفي النهاية يلتحق بوظيفة تُلزم حياته بقالبٍ يومي متكرر، يُشبه إلى حد كبير أسطورة سيزيف؛ يدفع صخرة الروتين إلى قمة الجبل كل صباح، فقط ليراها تتدحرج من جديد في نهاية اليوم.


هذا الإنسان، الذي قد يبدو مستقراً، هو في الحقيقة يسير على خيطٍ رفيع بين الوجود واللاوجود. يعيش حياةً خاليةً من التساؤلات الكبرى، لا يتوقف ليتأمل في معنى الوجود، ولا يبحث عن حقيقته الذاتية. يُسلم نفسه للعادات والتقاليد، ويخشى التفكير خارج الصندوق، كأنه يخشى أن تُضيء الفكرة له جانباً مُظلماً من نفسه أو من الكون.


الزواج بالنسبة له خطوة ضرورية، وليس اختياراً واعياً. يراها محطةً إجبارية ضمن المسار المحدد، وليس تعبيراً عن الحب أو الرغبة في التشارك. يُنجب أطفالاً، ليس من أجل أن يُضيف للعالم شيئاً جديداً أو ليُساهم في تطور الإنسانية، بل لأنه يُكرر دورة الحياة التي عاشها بنفسه. يُنشئ "حفنة من الرعاع" على شاكلته، ليُعيدوا نفس السيناريو بلا وعي أو تساؤل.


في عمق نفسه، ربما يشعر هذا الإنسان العادي بنوعٍ من الفقدان، فقدان للمعنى والحرية. لكن هذه المشاعر تُغطى بطبقةٍ سميكة من الإنكار والتعود. يختبئ وراء واجب العمل، وضغوط الحياة اليومية، ويغلق أذنيه عن صرخات الشك والتساؤل التي قد تُفسد عليه سكينته الزائفة.


هكذا يعيش الإنسان العادي، كائنٌ خالٍ من الهوايات التي تُغذي روحه، بلا حريةٍ فكرية تُحرر عقله، ولا طموحٍ شخصي يجعله يتجاوز حدود ما هو مألوف.لأن سَلم عقلهُ لمن ينتزع منهُ التجربة الأعمق التي تربط بينهُ وبين المعنى الوجودي والعالم الأكبر شيئاً يتجاوز اللحظة الراهنة. ويُحرم الاتصال الحقيقي بالذات الذي يُربط بالهوية والتفرد والحرية الفكرية،ويُنتزع منه معنى الحياة الذي كان يُتذوق عبر سنين في الفن والفلسفة والطبيعة والتأمل؛ وهنا تكمُن المأساة الإنسان العادي هو كائنٌ يُسلم نفسه لأمواج الحياة دون أن يُدرك أن بإمكانه أن يكون الموجة التي تصنع التغيير غير هذه المُطاردة الوهمية للحياة التي صنعها أسلافه في قفص صغير من التقاليد والعادات التي تُحدد مسارهُ منذ الصغر، يغيب فيها التأمُل العميق للإنسان ويصبح أسير عالم سطر لهُ حياته قبل الوجود ولايمكنهُ الهروب عن النص. 

Comments

Popular posts from this blog

آلية عمل دماغنا في حالة الحُب

الإنسان وعصر المرئيات الجنسية

معايير الجمال كمادة سلعية: كيف شكلت الرأسمالية مفهوم الجمال؟