حِين تُدرك الأشياء مَصيرُها الفناء
حِين تَسدُل الحياة ستارها كُل مساء، وتختفي الهَمسات إلى هُدوء الليل،تّصحو بداخلنا تِلك الأسئلة التي تَتخلل النفس وتُوقِظ في داخلها صّدى العدم وتُخيفنا وتَجذبنا في آنٍ واحد، راودتني هذهِ الفكرة البارحة مساءاً وطرحتها لصديقتي على هيئة سؤال؛ "هَل كُتِب لنا الفناء؟" أيمكن أن يكون كل شيء، تلك الصفحات المحبَّرة بأحلامنا وأفكارنا، تِلك المُقتنيات والذكريات التي بِتنا نجمعها ستتلاشى في تيارٍ لا نهاية ، تلك الكتب التي حملناها كما نحمل إرثاً فكرياً ، ذلك الكوب الذي صَببنا فيه قهوتنا وأحاديثنا… سيصبح يومًا ما مجرد رماد؟ أن يعود كل شيء، كل شخص أحببناه أو حتى كرهناه، إلى صمت اللاوجود، أيُعقل المصير الوحيد لكُل ما ألفناه وعشقناه هو العّدم؟
الفكرة مروعة أن يسقُط الإنسان من كامل وجوده إلى هوة المجهول، إنها فكرة تُجبرنا على مواجهة الهشاشة التي تتقوى عليها حياتنا . ما بين ولادتنا ولحظة فنائنا، نحن ننسج حكايات وصورًا، نبني جسورًا من الذكريات ونحيك أحلامًا نؤمن بأنها أبديّة. لكن الحقيقة الخالدة، التي نخشى أن نلتفت إليها، هي أن كل شيء سيتلاشى، كما تتلاشى آثار الخطوات على الرمال.
على الرغم معرفتنا بضعف وجودنا، نبحث في طيات الفناء عن أملٍ لا يفنى. فماذا لو كانت الحياة نفسها، بحقيقتها العابرة، هي الكنز؟ ماذا لو أن مرورنا، حتى وإن كان قصيرًا، هو ما يمنحنا هذا العمق وهذه الرغبة في الحب، في الكتابة، في التدوين؟ ألا يُصبح الفناء عندئذٍ دافعًا لحياة نملؤها بفيض من المعاني، علّنا نترك في رُكام الكون بقايا من أرواحنا؟
ربما نسير نحو مجهولٍ، ربما لا نعلم إن كنا سنلتقي بأحبّتنا مرة أخرى في عوالم جديدة، لكن يبقى لنا في لحظاتنا هذه، بينما نفكر في الفناء، أن ندرك أننا أحياء، وأن ما نفعله الآن هو سطر من قصيدة وجودية نكتبها بدموعنا وضحكاتنا، بآمالنا وانكساراتنا، داخل الفناء يكمن سر الحياة.
وهكذا، حين نعود في مساء آخر لنتأمل كوب القهوة، أو صفحة من كتاب، أو وجه من نحب، ندرك أن هذا الوجود المؤقت هو أجمل ما نملكه، هو معجزة الزمن التي لا تعود، ولكنه يعود فينا، في ذاكرتنا، وفي كل نبضة حيّة
Comments
Post a Comment